|
كلمة معالي الأستاذ عدنان
القصّار رئيس مجلس الاتحاد العام
لغرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية في افتتاح الاجتماع السادس
لمجلس إدارة الغرفة التجارية العربية الصينية سعادة
السيد وان جي في، رئيس المجلس الصيني لتنمية التجارة الدولية، أصحاب
السعادة السفراء العرب، السادة
الزملاء رؤساء وفود الغرف والاتحادات العربية، أيها
السيدات والسادة،
إنه لمن دواعي الشرف والاعتزاز أن
ألتقي بكم جميعاً في افتتاح أعمال الاجتماع السادس لمجلس إدارة الغرفة التجارية العربية
الصينية، الذي ينعقد بالتعاون مع المجلس الصيني لتنمية التجارة الدولية، هذا
المجلس الذي نعتبره شريكاً للاتحاد العام للغرف العربية في تنمية وتطوير
العلاقات بين الصين والدول العربية. وأود بهذه المناسبة أن أحيي رئيس المجلس
الصيني السيد وان جي في وزملائه على ما يقومون به من جهود طيّبة ومستمرة في سبيل
تطوير العلاقات مع الدول العربية. كما يطيب لي بهذه المناسبة أن أحيي
الإخوة السادة السفراء العرب الذين حرصوا على المشاركة معنا في هذا الاجتماع
الهام على ما يبذلونه من جهود مخلصة في سبيل دعم العلاقات الاقتصادية والتجارية
والاستثمارية والمالية بين الصين والبلاد العربية. فلهم منا جميعا أطيب التحيات
والتقدير. وإنني أفتخر بأن أعلن أمامكم بأن
العلاقات الاقتصادية بين الصين والبلاد العربية قد تطورت كثيراً خلال السنوات
الأخيرة ووصلت اليوم إلى مستويات لم تشهدها من قبل، وهي مرشّحة لتدخل مجالات
جديدة وأوسع نطاقاً في قطاعات إستراتيجية وحيوية لكلا الجانبين ولاسيّما قطاعات
الطاقة والصناعة والزراعة والخدمات، وخصوصاً بعد أن أصبحت الصين خلال السنوات
القليلة الماضية أحد أكبر الدول المصدّرة إلى العالم العربي، فيما تضاعف حجم
التصدير العربي إليها من السلع النفطية وغير النفطية أيضاً. إن اجتماعنا اليوم هو خير دليل على
حرصنا المشترك على تحقيق التواصل والتعاون وتنمية العلاقات الاقتصادية على كافة
الصعد بين دولنا لما فيه مصالح اقتصاداتنا الوطنية وشعوبنا. وهذا الاجتماع يأتي
بعد الاجتماع الخامس للغرفة التجارية العربية الصينية في مدينة دبي، والاجتماع
الرابع للغرفة في مدينة داليان عام 2001. وجاء بعد ذلك الاجتماع الأول
لمؤتمر رجال الأعمال العرب والصينيين في بكين خلال ابريل 2004، والاجتماع الثاني
لهذا المؤتمر في مدينة عمّان خلال يونيو 2007. وقد أبرزت هذه الاجتماعات أهمية
العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين والعالم العربي. والآمال معقودة على
تطوير آفاق التعاون المشترك ولاسيما في مجالات اقتصادية جديدة وخصوصاً في ظل
التطورات والتحوّلات الاقتصادية الإيجابية الحاصلة على مستوى الصين والبلاد
العربية منذ عدة سنوات. إن كل المؤشرات المتاحة عن الصين تدل
على أن العالم أمام نجم صاعد، سيفرض نفسه بجدارة على الساحة الاقتصادية الدولية
بقوة. فقد حققت الصين سجلاً مقنعاً من النمو القوي الذي يتجاوز 10% سنوياً خلال السنوات
الأخيرة، المصحوب بتنمية اقتصادية سريعة وكفاءة عالية ومعدلات تضخم متدنية وقوة
تصديرية كبيرة جداً واحتياطي كبير من العملات يتجاوز حالياً التريليون دولار
أميركي. وهذه الإنجازات الاقتصادية البارزة تأتي في سياق الإجراءات الإصلاحية
والانفتاحية التي تقوم بها الحكومة الصينية والتي أمنت للصين دخولاً ناجحاً إلى
منظمة التجارة العالمية، والتي تجعل الصين منطقة جاذبة للاستثمارات الخارجية. ومن ناحية أخرى، فإن العالم العربي
يمتلك طاقات وإمكانيات كبيرة على كافة الصعد، ولاسيّما على الصعيد الاقتصادي.
فالسوق العربي يضم اليوم أكثر من 310 مليون مستهلك، يمثلون نحو 4.8% من إجمالي
سكان العالم ومساحة بلدانهم تشكل نحو 15% من إجمالي مساحة العالم. ويزيد ناتج
الوطن العربي الإجمالي عن تريليون دولار أميركي، ويمتلك 60% من إجمالي احتياطيات
النفط العالمية و35% من احتياطيات الغاز الطبيعي الدولية. وفي نفس الوقت تقوم في الدول العربية
نهضة اقتصادية منذ أكثر من عامين ونصف العالم نظراً لارتفاع أسعار البترول ووجود
فوائض مالية للاستثمار داخلياً وفي الخارج، ولا شك بأن قيام منطقة التجارة الحرة
العربية الكبرى والتحركات الجارية حالياً للانتقال إلى مرحلة بناء اتحاد جمركي
عربي يتيح المجال لإقامة مشاريع إنتاجية كبيرة تلبي احتياجات الدول العربية في
ميادين الصناعة والزراعة والبنيات الأساسية. ونستطيع
القول إن علاقات التعاون بين الصين والدول العربية خلال السنوات القليلة الماضية
دخلت في مرحلة جديدة تؤسس لتكريس شراكة إستراتيجية واعدة. لكن النجاح في ذلك
يعتمد على مدى ارتباط الشراكة بالاحتياجات التنموية للجانبين، بما فيه خصوصيات
أوضاع الدول العربية وحاجتها الأساسية إلى بناء علاقات مع شركائها الاستراتيجيين
تدعم مسارها إلى التكامل الاقتصادي والاجتماعي. من
هنا أهمية وضرورة أن تنمو العلاقات الصينية العربية في إطار إستراتيجية تعاون
أكثر تماسكاً ووضوحاً لتحقيق الأهداف المشتركة بين الصين والدول العربية. فهناك
الكثير من المجالات والفرص التكاملية الحيوية في المحاور الرأسمالية
والتكنولوجية، كما في الموارد الطبيعية وفي الأسواق. ومن المتوقع
أن يكون النفط عاملاً أساسياً في تحديد إستراتيجية اقتصاد الصين في المستقبل
التي تعتبر ثاني أكبر مستهلك له في العالم، إضافة إلى احتياجاتها المتصاعدة
لمشتقات النفط من البتروكيماويات. وهذا ما يستدعي اعتماد توجه جديد من قبل الصين
نحو الدول العربية لتنمية نوع من الشراكة الإستراتيجية في مجال التعاون في تطوير
مصادر الطاقة وكافة المجالات الأخرى. أيها
السيدات والسادة، اسمحوا
لي في هذه العجالة أن أشير إلى أن الصين لها موقع خاص في قلبي، إذ عرفتها منذ
أكثر من خمسين سنة، وذلك عند زيارتي الأولى لها في العام 1954، بحيث تطورت بشكل
متواصل علاقتي مع الشركات ومجتمع الأعمال وكبار المسؤولين الصينيين. فقد تلمست
حينذاك بأنها ستصبح قطباً اقتصادياً عملاقاً بهمة شعبها وإصراره على العمل
والإنتاج. وقد ترأست أول وفد للغرف اللبنانية إلى الصين عام 1972، وقد أرسى هذا
الوفد أسس العلاقات اللبنانية الصينية. وإن نسيت لا أنسى الزيارات الكثيرة التي
تلت ذلك ومن بينها تلك التي ترأست فيها وفداً يمثّل الاتحاد العام لغرف التجارة
والصناعة والزراعة للبلاد العربية في عام 1981، وكذلك وفد غرفة التجارة الدولية،
التي على أثرها تم انتساب الصين عضواً فاعلاً في هذا التجمّع الدولي الهام. لقد
زرت الصين أكثر من سبعين مرة، واعتبرني كبار المسؤولين فيها صديق الشعب الصيني
وهذا فخر لي، وأنا من جانبي أعجبت بحسّ الأعمال العالي والاستقامة لدى الشركات
الصينية، وعملت طوال هذه السنوات على تعزيز الانفتاح بين مجتمعي الأعمال العربي
والصيني. وأعتبر
الزيارة الحالية التي نقوم بها مع هذا الجمع الكريم من الوفود العربية تأكيداً
على الاهتمام العربي بتطوير وتوطيد العلاقات مع الصين. ولا يسعني إلا أن أنوّه
بالتكريم الذي أحاطنا به المجلس الصيني لتنمية التجارة الدولية، مما يعبّر ليس
فقط عن الاهتمام بتطوير العلاقات، وإنما أيضاً بالصداقة التي تربط بين الصين
والدول العربية عامة. وفي
هذا المجال، لا يسعني إلا أن أشير بكل اعتزاز إلى أن لبنان بصورة خاصة والدول
العربية بصورة عامة تمثّل ظهيراً سياسياً للصين على الساحة الدولية خصوصاً لجهة
اعتبار تايوان جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الصينية واعتبار أن هناك صيناً واحدة.
فسياسية "الصين الواحدة" هي مسار اخترته على الصعيد الشخصي طوال حياتي
المهنية، وهو مسار تماشى أيضاً مع سياسة الحكومات اللبنانية في كل العهود التي
مرّت على لبنان وكان للبنان مواقف ثابتة وجريئة في هذا المجال. وكثيرون منا
يعرفون مدى المحاولات التي بذلتها تايوان لتبديل موقف لبنان من سياسة الصين
الواحدة. ورغم
الضغوط والإغراءات العديدة التي تعرّض لها لبنان من قوى لها قيمتها على الساحة
الدولية فقد بقي لبنان ثابتاً على مواقفه لا يقبل بديلاً عن مبدأ اعترافه بالصين
الواحدة وكذلك بقيت الدول العربية على هذه المواقف. ولعل وقفة العالم العربي
مؤخراً في الأمم المتحدة إلى جانب "الصين الواحدة" خير دليل على ثبات
مواقفه ومبادئه هذه. ولا
بد لي هنا أيضاً من أن انوّه بالاهتمام الذي أبدته وتبديه الصين في دعم لبنان
ليستطيع النهوض من الكبوة التي تثقل كاهله، ومبادرتها إلى إرسال جنود صينيين
للمشاركة في قوة الطوارئ في جنوب لبنان، وهذا أمر نادراً ما حصل. وإذا
كنت أتكلم هنا عن لبنان بصفتي لبنانياً، فإنني بصفتي رئيساً للاتحاد العام لغرف التجارة
والصناعة والزراعة للبلاد العربية أقول أيضاً بكل اعتزاز أن سياسة لبنان تجاه
الصين، ومواقف لبنان من الصين الواحدة، هي ذاتها مواقف الدول العربية، وهي مواقف
ثابتة ومستمرة وغير قابلة للتبديل أو التغيير. كما أن الدول العربية تعتز
بالمواقف الصينية الداعمة للقضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية فالصين
عضو دائم في مجلس الأمن وقوة اقتصادية متنامية. ولعل دعوة الطرفين العربي
والصيني إلى إقامة نظام عالمي سياسي واقتصادي عادل ومنصف ومتعدد الأقطاب تجعل
تعاونهما الوثيق ممكناً ومثمراً. وأملنا
كبير أن تتكلل أعمال اجتماعنا هذا بالنجاح والتوفيق. مكرراً الشكر والتقدير إلى
المجلس الصيني لتنمية التجارة الدولية على ما بذله من جهد في طيب في تنظيم هذا
الاجتماع والجولة التي سنقوم بها إلى مدن أخرى في الصين. والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته. |