
الأمـانة
العـامة
منطقة
التجارة الحرة العربية الكبرى واحتياجات
التطوير
في ضوء تجربة الاتحاد الأوروبي
التقرير الرابع عشر
للاتحاد
العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية
مقدم إلى
اجتماع لجنة
التنفيذ والمتابعة لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى
الدورة التاسعة والسبعين
للمجلس
الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية
القاهرة: 10 – 11 شباط (فبراير) 2007
تقــديم
يسر الأمانة العامة للاتحاد العام لغرف
التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية أن تتقدم إلى "لجنة التنفيذ
والمتابعة" في إطار الدورة (79) للمجلس
الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية التقرير
رقم
(14) بعنوان "منطقة التجارة الحرة العربية
الكبرى واحتياجات التطوير في ضوء تجربة الاتحاد الأوروبي".
ويأتي هذا التقرير
إضافة جديدة إلى سلسلة التقارير الدورية التي نصدرها لتقييم أوضاع منطقة التجارة
الحرة العربية الكبرى من منظور القطاع الخاص. ويتضمن الأجزاء التالية:
الجزء
الأول:
منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى في ضوء تجربة
الاتحاد الأوروبي.
الجزء
الثاني:
النتائج التفصيلية للاستبيان الذي أجرته الأمانة العامة حول العراقيل التي تواجه تطبيق منطقة
التجارة الحرة العربية الكبرى عام 2006.
ويتناول
هذا
التقرير بعدا جديدا يتعلق بمدى انسجام الإجراءات المتخذة
لتنفيذ منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى مع متطلبات التكامل الاقتصادي، ومدى
كفايتها لتوفير العناصر الضرورية لذلك، من خلال التعمق في التجربة الأوروبية ومسيرتها
الفريدة التي توصلت إلى تحقيق الاتحاد الأوروبي، وما بلغته من درجة عالية من
التكامل والاندماج. وذلك سيفتح الآفاق أمام أبعاد جديدة ضرورية لا بد من الغوص فيها
لتحديد الشروط الواقعية للتكامل ومرتكزاته الأساسية، وما يمكن أن تستفيد منه
البلاد العربية في سياق تجربتها الخاصة، في ضوء تطلعات مجتمع الأعمال العربي إلى
دور أكثر شأنا في التكامل الاقتصادي العربي.
ويستند
هذا التقرير إلى المعلومات والمصادر الرسمية العربية والدولية، كما يستند إلى
نتائج بحث ميداني يعكس نتائج الاستبيان الذي أعدته الأمانة العامة لاتحاد الغرف
العربية وقامت بتعميمه على الغرف العربية لاستطلاع آراء الشركات العربية الخاصة
بشأن التقدم المحقق في تنفيذ المنطقة والعراقيل التي تواجه التجارة العربية
البينية في إطارها. ونتائج الاستبيان ستسلط الضوء على عدد من الأمور الإجرائية المرتبطة
بالالتزام بالتعريفة الصفرية، الرسوم ذات الأثر المماثل للتعريفات الجمركية، إنهاء
العمل بالاستثناء من التخفيض الجمركي، تطبيق المعاملة الوطنية، الالتزام بالقواعد
العامة للمنشأ، إلغاء تصديق السفارات والقنصليات على شهادات المنشأ، إلى جانب القيود
غير الجمركية التي تعّد حاليا من أهم العقبات التي تواجه المنطقة. وكذلك يستطلع
الاستبيان عددا من الشؤون المتصلة بشكل مباشر بفعالية المنطقة، بما فيه مدى
الاستفادة من نقاط الاتصال، الأعباء المالية الإضافية، تكاليف النقل، وتأشيرات
السفر، بالإضافة إلى احتياجات التطبيق الفعلي للمنطقة ومقترحات التطوير.
وتأتي هذه
المساهمة تجاوبا مع الترحيب الطيب الذي يلقاه تقرير الاتحاد من قبل الحكومات
العربية وملاحظاتها البنّاءة، سواء في إطار المجلس الاقتصادي والاجتماعي ولجانه
المتخصصة، أو عبر الأصداء الإيجابية الواردة من الحكومات العربية والتي تحرص على
إطلاع الاتحاد بكل ما يتم اتخاذه من إجراءات رسمية للتطبيق السليم للمنطقة تجاوبا
مع مرئيات الاتحاد وتطلعات القطاع الخاص، وآخرها ما ورد من المندوبية الدائمة
للأردن في جامعة الدول العربية من إجراءات فعالة تظهر تفهما عميقا لاحتياجات
القطاع الخاص والتزاما عاليا بتحقيق المنطقة.
وإذ تعتزّ الأمانة
العامة لاتحاد الغرف العربية بما حققته سلسلة التقارير الدورية للاتحاد حول منطقة
التجارة الحرة العربية الكبرى، ولاسيما بتوسيع الإدراك بتطلعات القطاع الخاص
واحتياجاته للقيام بدوره في تطوير التجارة العربية البينية، فإنها تأمل أن يوفر
هذا التقرير الجديد المزيد من الوقائع والمعلومات
والأفكار
التي من شأنها أن تبيّن الخيارات المتاحة لتحقيق مزيد من التقدم في المسار التكاملي، بما يخدم
التطلعات العربية المشتركة للنمو المستدام والمواكب لتحديات التنافسية والعولمة.
د.
الياس غنطوس
الأميـن
العــام
المحتويات
أولا – نظرة جديدة إلى منطقة التجارة الحرة العربية
الكبرى
ثانيا - تطور السياسات التجارية ومدى انسجام التطور مع
متطلبات التنمية الإقليمية
أ. السياسات
التجارية والاستثمارية
ب.
التطورات التنفيذية لمنطقة
التجارة الحرة العربية الكبرى
ج. نتائج استبيان العراقيل التي تواجه القطاع الخاص في إطار
المنطقة خلال عام 2006
ثالثا – تطور التجارة الخارجية والبينية للبلاد العربية
خلال 2002 - 2005
أ. انعكاسات التطورات الجديدة على التجارة الخارجية
ب. تواضع التقدم المحقق في أوضاع التجارة العربية البينية
رابعا – قراءة في بعض الجوانب الأساسية للتجربة
الأوروبية
أ. قواعد الوحدة الأوروبية وتطورها
ب. الدور المحوري للتمويل في استراتيجية الاندماج الأوروبي
ج. إضاءات على نماذج من مشاريع التجربة الأوروبية
د. اتجاهات السياسات القطاعية الصناعية للاتحاد الأوروبي
خامسا – شروط التكامل ومرتكزاته الاستراتيجية في ضوء
التجربة
أ.
دور مؤسسات وصناديق التنمية العربية والإقليمية
ب. الالتزام باستراتيجية واضحة ترتكز على تصورات عملية
ج. وضع
أهداف عملية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية
د. تأهيل
الإدارات الحكومية وتعزيز كفاءتها قطريا وإقليميا
ه. وضع
صيغة توفيقية للاتحاد الجمركي
و. الالتزام
بموازنة عربية مشتركة لتمويل الاستراتيجية
ز. إقامة
صناديق جديدة لتمويل مشاريع التأهيل والتنافسية والتكامل
ح. المضي في الإصلاح ورفده بمؤازرة عربية مشتركة
ط. توفير الدعم السياسي والمؤسسي للتكامل الاقتصادي
منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى واحتياجات التطوير
في ضوء تجربة الاتحاد الأوروبي
أولا – نظرة جديدة إلى منطقة التجارة الحرة العربية
الكبرى
إن التقدم
الذي أحرزته منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، والحديث عن السعي لتحقيق آليات
جديدة أخرى للمراحل القادمة من التكامل الاقتصادي العربي، لا يخفي أن مستويات
التكامل الحالي ما تزال ضعيفة وتقف عند عقبات إجرائية وهيكلية أساسية، ومسبباتها
معروفة من النواحي الفنية، من حيث استمرار وجود ثغرات ناجمة عن عدم التطبيق الكامل
في ظل ضآلة إمكانيات التجارة البينية من حيث الكمية، ومن حيث تنافسيتها بسبب
محدودية القواعد الحالية للإنتاج التي تتسم بعدم التنوع وضعف القيمة المضافة. وبطبيعة
الحال، فإن الاقتصادات العربية التي تمثل جزءا أساسيا من الاقتصاد العالمي في ما
يتعلق بتزويد العالم بالطاقة، ما تزال مجرد ملحقا هامشيا في ما يتعلق بالعلاقات
التجارية الأخرى، بما فيه علاقاتها التجارية بين بعضها البعض.
وهذه
النظرة الواقعية تستدعي قراءة جديدة لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، انطلاقا
من دراسة نموذج فريد يتمثل بالتجربة الناجحة لأوروبا في تحقيق الاتحاد الأوروبي، والتي
تواصل مسيرتها التكاملية على نحو أبعد وأعمق مما قامت وتقوم به أي منطقة أخرى في
العالم. والهدف من ذلك هو محاولة تبيّن الركائز والأسس التي ينبغي الاعتماد عليها
من أجل إعادة إطلاق المشروع العربي على أسس أكثر واقعية، بما ينسجم مع خصوصيات
البلاد العربية واحتياجاتها الحيوية لتنويع الاقتصادات العربية والاستفادة من نقاط
القوة التي تمتلكها، وبما يخلق فرص استثمار جديدة ويولد فرص العمل المتنامية،
ويحرك المسار التكاملي لخدمة أهداف التنمية المستدامة للبلاد العربية جميعها، ولكل
منها بحد ذاته.
وسيتبيّن
من قراءة التجربة الأوروبية أن هناك ثغرات أساسية في المشروع التكاملي العربي،
بالرغم من الإصلاحات العديدة التي نفذتها البلاد العربية والتي انطلقت عمليا منذ
منتصف الثمانينيات. كما سيتبين أيضا حاجة دول عربية كثيرة إلى استثمارات ضخمة في
الوقت الذي تحقق فيه دول عربية أخرى فوائض مالية بشكل ملحوظ. ولا بد من إعادة
النظر في التوجهات الحالية للتكامل التي ينقصها العديد من العناصر الهامة، بالرغم
من الإنجازات التي تم تحقيقها، نظرا للوصول إلى نقطة الاستعصاء عن تحقيق مزيد من
التقدم، ما لم يتم العمل على تصويب المسار التكاملي ودعمه بالآليات والتمويل
المناسبين. فاتفاقيات التجارة الإقليمية لا تكفي بحد ذاتها لضمان نجاح التكامل
الإقليمي، بل لا بد من أن تستكمل بتوفير مقومات وآليات أخرى أساسية لتأمين شروط
تحقيق هذه الاتفاقيات وتطبيقها بشكل كامل وناجز.
وستحاول
هذه الدراسة تحديد مستلزمات التكامل الحقيقي للاقتصادات العربية في ضوء التجربة
الأوروبية الرائدة، انطلاقا من دراسة التطور في السياسات التجارية العربية ومدى
تأثيرها على منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى في ظل تواضع أداء هذه المنطقة،
وكذلك مدى انسجامها مع متطلبات التنمية الاقتصادية العربية واحتياجات تعزيز دور
القطاع الخاص لتنويع الاقتصادات العربية وزيادة القيم الصناعية المضافة وتحقيق
النمو الاقتصادي المستدام.
وعلى
الرغم من التفاوت الكبير مع إمكانيات الاتحاد الأوروبي وما وصل إليه من تقدم صناعي
وغنى مالي وازدهار ورفاهية اجتماعية، إلاّ أن البلاد العربية تمتلك العديد من نقاط
القوة والفرص مما يميّزها عن أية منطقة أخرى في العالم، خصوصا وأنها تتمتع بروابط
اللغة والثقافة والتاريخ والدين، ولديها المقومات الأساسية للتكامل الاقتصادي
والاجتماعي، كما لديها قدرة فائقة على التأقلم والتعاضد والنهوض، بالرغم من
الأخطار والتحديات والحروب الكبيرة والصغيرة العديدة وجروحها البالغة من فلسطين
إلى العراق إلى العدوان الإسرائيلي الغاشم على لبنان في صيف 2006، والتداعيات
الشديدة لها التي تشكل استنزافا مستمرا للمقدرات الحيوية.
وما تحتاج
إليه البلاد العربية فعلا هو أن تمارس قراءة متمعنة في التجربة وخلاصتها بتوفير
آليات الدعم لانطلاقة جديدة على أسس واقعية وصلبة، استنادا إلى الاحتياجات الفعلية
لتحقيق خيارها الاستراتيجي في التنمية والتكامل في ظل إدارات حكيمة وشفافة. وإذا
كانت البلاد العربية قد وصلت إلى ما هي عليه في ظل الظروف المحلية والدولية السياسية
والأمنية، فإن من شأن توفير الآليات المناسبة لتحقيق السوق الموحدة والتكامل
الاقتصادي والاجتماعي الشامل أن يحقق دفعا قويا جدا للمشروع التكاملي، بما يعزز
قوتها الاقتصادية القادرة على تعزيز مناعتها تجاه التجاذبات في حلبات الصراعات
الدولية.
ولعل
الوقفة الاستثنائية التي قامت بها الدول العربية كحكومات وكقطاع خاص تضامنا مع
لبنان إثر الاعتداء الإسرائيلي الغاشم الذي تعرّض له في صيف 2006 أفضل دليل على
تمسك البلاد العربية ببعضها البعض وتصميمها على المضي قدما معا نحو التنمية
والتكامل. وقد استمر الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية
من مقره في بيروت بأداء عمله رغم الحرب والحصار اللذين فرضا وتداعياتهما القاسية
في انقطاع السبل. وكان أول المبادرين إلى عقد الاجتماعات وتنظيم الزيارات المخصصة
لدراسة آثار الحرب، بما فيه الدورة الاستثنائية التي عقدها في مدينة بيروت يومي 12
و13 أيلول (سبتمبر) 2006 تضامنا مع لبنان لإطلاق خطة عمل منهجية للدعم ولإقامة
شراكة اقتصادية بين مجتمع الأعمال العربي والاقتصاد اللبناني. كما شارك الاتحـاد
في الدورة التضـامنية الاستثنائية التي عقدها المجلس الاقتصـادي والاجتمـاعي إلى عقدت
لدعم لبنان في مدينة بيروت بتاريخ 16 – 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2006، حيث تقدم
بمقترح عقد "المؤتمر الثاني عشر لرجال الأعمال والمستثمرين العرب"
في مدينة بيروت خلال عام 2007 تحت عنوان "دعم لبنان في إعادة الإعمار".
وقد أيّد المجلس الاقتصادي والاجتماعي ذلك. كما طالب باتخاذ الإجراءات المناسبة
لتسهيل ودعم الصادرات اللبنانية إلى الأسواق العربية، وإعفاء الشاحنات اللبنانية
من رسوم العبور، وإعفاء رجال الأعمال من نسبة من رسوم التخزين والشحن والتفريغ
وتسهيل الإدخال المؤقت عبر الموانئ والمنافذ الحدودية. وقد اتخذ المجلس عددا من
التوصيات والقرارات التي تشكل في محصلتها برنامج عمل لإعادة إعمار لبنان، وتأهيل
اقتصاده في مجال الاستثمار والدعم المالي، النقل والتجارة، السياحة، الصحة،
البيئة، التربية والتعليم، الكهرباء، الصناعة، الزراعة والإغاثة. وتجدر الإشارة
إلى عددا من الدول العربية كان بالفعل قد استبق هذه المبادرات باتخاذ سلسلة من
التسهيلات التجارية للبنانيين دون أي تردد.
ثانيا - تطور السياسات التجارية ومدى انسجام التطور مع
متطلبات التنمية الإقليمية
ما تزال
البلاد العربية تمضي في مسيرة الإصلاحات الاقتصادية وتحقق تقدما متفاوتا في ما
بينها في هذا المجال. لكن التقدم المحقق يعتبر قاصرا عن متطلبات التنمية القطرية
والإقليمية لتأهيل وتهيئة مناخ الاستثمار لتطلعات القطاع الخاص. ويلاحظ أن القيود
على التجارة والاستثمار ما تزال موجودة مع استمرار هيمنة القطاع العام واستبعاد
شركات القطاع الخاص إلى حد كبير عن رقعة جهود التحرير وعدم الكفاءة الإدارية
والمؤسسية، ولاسيما في الدول العربية غير النفطية، بما يشكل عائقا أساسيا للمضي
بالتكامل الاقتصادي، خصوصا مع ما ينتج عن هذه القيود من تكاليف نسبية مرتفعة
للمشاريع والأعمال التجارية.
ومن المؤكد أن مناخ
الاستثمار يحتاج إلى مزيد من الحوافز والجهود بما يفوق ما يجري حاليا لزيادة
مستويات الكفاءة في الاستثمارات الخاصة، من خلال تحسين مجمل إنتاجية عوامل الإنتاج
لرفع العائد على الاستثمار، وبالتالي زيادة إمكانيات التبادل التجاري وفرص العمل
والنمو الاقتصادي المستدام. وفي نهاية المطاف، فإن الزيادة في كفاءة الاستثمار هي
في أهمية الزيادة في القدرة على جذب الاستثمار. وتظهر الدلائل أن الاقتصادات
النامية ذات الأداء الجيد تحقق أكثر من 40% من نموها الاقتصادي من الزيادة في مجمل
إنتاجية عوامل الإنتاج[1].
وعلى
الرغم من انفتاح أنظمة التجارة في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن تجارتها
البينية محدودة جدا نظرا لمحدودية قدراتها التكاملية من حيث التواضع النسبي في
مساهمة الصناعة في الإنتاج والتي تمثل حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما
الهياكل الإنتاجية شديدة التشابه، ما عدا دولتي الإمارات وعمان اللتين حققتا نموا
نسبيا في صادراتهما غير النفطية. ومن المهم حاليا التركيز على تشجيع القطاع الخاص
على الاستثمار في القطاعات غير النفطية، كما في الصناعات الأمامية للصناعات
النفطية في مشاريع تستهدف حجم السوق العربي الأوسع والأكبر، مما سيساهم في توفير
معطيات النمو المستدام.
ولا شك أن
تحقيق قفزة نوعية في بيئة الأعمال والتجارة في البلاد العربية تتطلب دعما عربيا
مشتركا لتسريع خطى الإصلاح وتمكين البلاد العربية من تأهيل اقتصاداتها وبنيتها
الاجتماعية بالشكل المناسب. ومن المهم الإشارة هنا إلى الدور الأساسي الذي لعبته
المساعدات التي قدمها الاتحاد الأوروبي إلى الدول الحديثة الانضمام إليه في
تمكينها من الاضطلاع بإصلاحات شاملة لتأهيل مناخها الاستثماري ورفع معدلات نموها إلى المستويات التي تؤهلها للمنافسة في إطار تكاملي
مشترك. ومهما كانت أوضاع الاستثمار في البلاد العربية، فإن الدول الحديثة في
الاتحاد الأوروبي لم تكن أفضل حالا في مناخها الاستثماري منها، كما لم تكن تصل إلى
ما وصلت إليه لولا المساعدات السخية التي قدمت لها، والتي سيتناولها البحث
بالتفصيل في سياق دراسة التجربة الأوروبية.
وأيّا يكن مستوى الإصلاحات
والدرجات التي وصلت إليها في البلاد العربية، فإن الهدف الأساسي منها يجب أن يكون
تحقيق النمو والتنافسية وخلق فرص العمل وإتاحة المجالات والفرص لمجتمع الأعمال
الخاص. وما لم تتحقق هذه الغايات، فإما أن تكون الإصلاحات ناقصة، أو أنها لا تمضي
في الطريق المستهدفة لها. وفي الحالة الأخيرة، ينبغي أن يكون السؤال الأساسي: من
هم الأكثر إفادة من الإصلاحات؟ وما إذا كانت الإصلاحات لا تفيد سوى المستثمرين
الأجانب أو الموظفين الكبار الذين تحولوا إلى مستثمرين؟. ومن البديهي أن يكون لذلك
تداعيات على مصداقية الإدارات الحكومية. ذلك أن الإصلاحات يجب أن تستهدف في المقام
الأول تخفيف العبء عن كاهل كل الشركات، الصغيرة منها والكبيرة، المحلية منها
والأجنبية، وكذلك الشركات والمؤسسات الريفية والحضرية.
وفي ما يلي أبرز التطورات في السياسات التجارية والاستثمارية،
وفي الخطوات التنفيذية لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، في مقابل العقبات
الواقعية التي ما تزال موجودة وتواجه
القطاع الخاص بالرغم من التقدم المحقق.
أ - السياسات التجارية والاستثمارية
ركزت الإصلاحات الهيكلية التي جرت بالدرجة
الأولى على السياسات التجارية، خصوصا ما يتصل بالالتزامات التي ارتبطت بها الدول
العربية في إطار الاتفاقيات المتعددة الأطراف بالنسبة لاتفاقيات منظمة التجارة
العالمية واتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ومنطقة التجارة الحرة العربية
الكبرى، بالإضافة إلى غيرها من الترتيبات التجارية الأخرى.
وكان معظم
بلدان المنطقة من الدول العربية غير النفطية قد دخل القرن الحادي والعشرين بمعدلات
مرتفعة من التعريفات الجمركية توازي حوالي 19%، مع المغالاة في استخدام القيود غير
الجمركية التي بلغت في المتوسط أكثر من 14% من سقوف التعريفات[2]،
بالإضافة إلى المعوقات على التجارة من ما وراء الحدود من جرّاء ارتفاع تكاليف
النقل والمواصلات مما يرفع التكاليف الإجمالية للتجارة.
ولكن منذ عام 2000 شهدت
المنطقة تطورات ملحوظة في تخفيض كل من التعريفات الجمركية والقيود غير الجمركية،
ولاسيما في كل من الجزائر، مصر، الأردن، لبنان، المغرب، سوريا، تونس، والسلطة
الفلسطينية. وجاء التطور الأبرز في مصر خلال خريف 2004، مع تخفيض عدد كبير من
الحزم التعريفية وإلغاء رسوم الاستيراد والرسوم الإضافية التي لا تنسجم مع مقتضيات
اتفاقيات منظمة التجارة العالمية. كما بدأت الجزائر في عام 2000 موجة من الإصلاحات
التجارية فألغت القيود غير الجمركية بالتزامن مع إصلاح شامل للتعريفات الجمركية.
وبالرغم
من الانخفاض في القيود على التجارة في دول الخليج العربية، فإن هذه الدول قامت
بإجراء إصلاحات عديدة وشاملة أدت إلى مزيد من الانخفاض في التعريفات، بالتزامن مع
التوصل إلى اتحاد جمركي في ما بينها في عام 2003.
وخلال عام 2005 طبّقت جميع الدول العربية الملتزمة بمنطقة
التجارة الحرة العربية الكبرى التعريفة الصفرية على السلع والمنتجات العربية
المتبادلة في ما بينها. ويمكن أيجاز أبرز الإجراءات الإصلاحية في السياسات
التجارية والمناخ الاستثماري التي تمت خلال السنوات القليلة الماضية لعدد من الدول
العربية في ما يلي: